الشيخ محمد هادي معرفة

107

التفسير الأثرى الجامع

بعضهم بعضا ثمّ انكشف عنهم ، فجعل توبتهم في ذلك « 1 » . [ 2 / 1926 ] وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله : إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ . . . الآية . قال : أمر القوم بشديد من البلاء ، فقاموا يتناحرون بالشفار ، ويقتل بعضهم بعضا ، حتّى بلغ اللّه نقمته فيهم وعقوبته ، فلمّا بلغ ذلك سقطت الشفار من أيديهم وأمسك عنهم القتل ، فجعله اللّه للحيّ منهم توبة وللمقتول شهادة « 2 » . [ 2 / 1927 ] وقال مقاتل بن سليمان - بعد أن بعث اللّه الّذين أخذتهم الصاعقة - : ثمّ انصرفوا مع موسى راجعين فلمّا دنوا من المعسكر على ساحل البحر سمعوا اللغط حول العجل ، فقالوا : هذا قتال في المحلّة ، فقال موسى عليه السّلام ليس بقتال ولكنّه صوت الفتنة ، فلمّا دخلوا المعسكر رأى موسى ما ذا يصنعون حول العجل ، فغضب وألقى الألواح فانكسر منها لوحان ، فارتفع من اللوح بعض كلام اللّه - عزّ وجلّ - فأمر بالسامريّ فأخرج من محلّة بني إسرائيل ، ثمّ عمد إلى العجل فبرده بالمبرد وأحرقه بالنار ثمّ ذرّاه في البحر فذلك قوله : لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً « 3 » فقال موسى : إنّكم ظلمتم - أي ضررتم - أنفسكم باتّخاذكم العجل إلها من دون اللّه - سبحانه وتعالى - فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ . يعني خالقكم . وندم القوم على صنيعهم . فذلك قوله - سبحانه : وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا يعني أشركوا باللّه - عزّ وجلّ - قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ « 4 » . فقالوا : كيف لنا بالتوبة يا موسى ؟ قال : اقتلوا أنفسكم يعني يقتل بعضكم بعضا كقوله سبحانه في النساء : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ « 5 » يقول : لا يقتل بعضكم بعضكم . إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً يعني : ذلك القتل والتوبة خير لكم عند بارئكم ، يعني عند خالقكم . قالوا : قد فعلنا . فلمّا أصبحوا أمر موسى عليه السّلام البقية الاثني عشر ألفا الّذين لم يعبدوا العجل أن يقتلوهم بالسيف والخناجر ، فخرج كلّ بني أب على حدّه من منازلهم ، فقعدوا بأفنية بيوتهم ، فقال بعضهم لبعض : هؤلاء إخوانكم أتوكم

--> ( 1 ) ابن أبي حاتم 1 : 110 / 530 ؛ ابن كثير 1 : 96 . الحندس : الليل الشديد الظلمة . ( 2 ) الدرّ 1 : 169 ؛ ابن كثير 1 : 96 ، بتفاوت ؛ ابن أبي حاتم 1 : 110 / 529 ، بتفاوت . ( 3 ) طه 20 : 97 . ( 4 ) الأعراف 7 : 149 . ( 5 ) النساء 4 : 29 .